ابن عساكر

284

تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )

قال ابن عباس : فلمّا أيس من إيمان قومه « 1 » دعا عليهم ربّه ، وأوعدهم العذاب بعد ثلاثة أيام « 2 » ، وأخرج أهله ، ومعه ابناه صغيرين ، فصعد جبلا ينظر إلى أهل نينوى ، ويترقب العذاب . قال : وعاين قوم يونس العذاب للوقت الذي وقّت لهم يونس ، فلمّا استيقنوا بالعذاب سقط « 3 » في أيديهم ، وعلموا أن يونس قد صدقهم ، فبعث القوم إلى أنبياء كانت في بني إسرائيل ، فسألوهم عما ابتلوا به ، فقالوا : اطلبوا يونس يدعو لكم ، فإنّه هو الذي دعا عليكم ، فطلبوه ، فلم يقدروا عليه ، فقالوا : تعالوا نجتمع إلى اللّه ، فنتوب إليه . فخرجوا جميعا الرجال والنساء والبهائم ، وجعلوا الرماد على رؤوسهم ، ووضعوا الشوك من تحت أرجلهم ، ولبسوا المسوح « 4 » والصوف ، ثم رفعوا أصواتهم بالبكاء والدعاء ، وجأروا « 5 » إلى اللّه ، وعلم اللّه منهم الصدق ، فقبل توبتهم « 6 » . يقول اللّه تعالى : فَلَوْ لا ، يعني : فلم يكن قَرْيَةٌ آمَنَتْ عند معاينة العذاب ، فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [ سورة يونس ، الآية : 98 ] . قال « 7 » : وكانوا عاينوا العذاب أول يوم من ذي الحجة ، ورفع عنهم يوم العاشر من المحرم . فلما ( رأى ) يونس ذلك جاءه إبليس عدو اللّه ، فقال له : يا يونس ، إنّك إن رجعت إلى قومك اتّهموك وكذبوك ، فذهب مغاضبا لقومه ، فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ [ سورة الأنبياء ، الآية : 87 ] ، فقد كذب . فانطلق يونس حتى أتى شاطئ دجلة معه أهله وابناه . فجاءت سفينة ، فقال : احملوني ، فقالوا : قد أوقرنا سفينتنا هذه ، فإن شئت حملنا بعض من معك ، فتلحقنا بسفينة أخرى ، فتركبها . قال : فحمل أهله ، وبقي يونس وابناه ، فطلعت سفينة ، فانطلق يونس إليها ، ودنا أحد ابنيه من شاطئ دجلة ، فزلّت رجله ، فوقع في الماء ،

--> ( 1 ) قيل إنه أقام يدعوهم تسع سنين انظر تفسير القرطبي 8 / 384 . ( 2 ) في تفسير الرازي الكبير : بعد أربعين ليلة . ( 3 ) سقط في يده وأسقط زل وأخطأ ، وقيل : ندم ، وفي التنزيل العزيز وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ قال الفارسي : ضربوا أكفهم على أكفهم من الندم . ( تاج العروس ) . ( 4 ) المسوح واحده مسح بالكسر ، وتفتح ، ثوب من الشعر غليظ ( تاج العروس ) . ( 5 ) جأر الداعي رفع صوته بالدعاء ، وجأر الرجل إلى اللّه : تضرع بالدعاء وضجّ واستغاث . ( 6 ) انظر تاريخ الطبري 1 / 376 والبداية والنهاية 1 / 267 - 268 . ( 7 ) انظر تاريخ الطبري 1 / 376 والبداية والنهاية 1 / 268 وتفسير القرطبي 15 / 130 .